الثقافيةالفنية

السعفيات العراقية.. حرفة عمرها آلاف السنين تقترب من قائمة (اليونسكو)

تنتظر حرفة رافقت العراقيين في بيوتهم وحقولهم وأسواقهم منذ أجيال، فرصة جديدة للوصول إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، بعدما دخل العراق ضمن ملف دولي مشترك لترشيح “السعفيات والألياف النباتية، الحرف والتقاليد الاجتماعية” إلى القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.

وتضع “اليونسكو” الملف ضمن ترشيحات دورة عام 2026 التي لا تزال قيد الدراسة، بمشاركة العراق ومجموعة من الدول العربية، على أن تنظر اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي في الملفات المرشحة خلال دورتها الحادية والعشرين التي تعقد في مدينة شيامن الصينية بين 30 تشرين الثاني و5 كانون الأول المقبلين. وحتى ذلك الحين، تبقى السعفيات العراقية أمام مرحلة التقييم التي تسبق اتخاذ قرار إدراجها على القائمة الدولية.

وشارك العراق في ملف عربي مشترك قادته دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب عدد من الدول العربية التي تتقاطع فيها صناعة السعف والألياف النباتية وتقاليدها. ومن الجانب العراقي، تولت وزارة الثقافة والسياحة والآثار المشاركة في الملف، ضمن عمل مركز حماية وصون التراث الثقافي غير المادي الذي يتابع إعداد ملفات العراق وترشيحها لدى منظمة “اليونسكو”.

وبدأت رحلة الملف إلى المنظمة الدولية في مطلع عام 2024، عندما أعلنت وزارة الثقافة تقديم سبعة ملفات إلى سكرتارية اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، كان ملف السعفيات واحداً منها. وكان من المقرر أن يدخل ضمن الملفات المطروحة للدراسة في دورة لاحقة، فيما تضعه “اليونسكو” اليوم ضمن ملفات عام 2026 تحت الرقم 02282، وتوضح في جدول أولويات هذه الدورة أنه من الترشيحات المشتركة بين عدة دول التي لم يتسن النظر فيها خلال الدورة السابقة.

من سعفة النخيل تبدأ الحكاية

خلف هذا الملف تقف حرفة أقدم كثيراً من إجراءات الترشيح وقوائم الحماية الدولية. ففي العراق، ارتبطت النخلة بالحياة اليومية لمناطق واسعة من البلاد، وتحولت سعفاتها على أيدي الحرفيين إلى حصير وسلال ومراوح وأوعية وأدوات منزلية، ودخلت تفاصيل البيوت والأسواق والعمل الزراعي، حتى أصبح ما يخرج من النخلة مادة لصناعة احتياجات كاملة كان العراقيون يستخدمونها كل يوم.

تمتد علاقة العراقيين بالنخلة إلى آلاف السنين، منذ أن أصبحت جزءاً من الحياة الزراعية في بلاد ما بين النهرين، ثم أخذت تدخل تدريجياً في تفاصيل المعيشة اليومية لسكانها. وتشير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن نخيل التمر يعد من أقدم أنواع النخيل التي عرف الإنسان زراعتها، مع ترجيحات بأن بدايات تدجينه انطلقت من بلاد ما بين النهرين، في أرض العراق الحالي، قبل فترة تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف عام.

وتركت النخلة حضورها في الشواهد التي وصلت من الحضارات العراقية القديمة. ففي نيبور، إحدى المدن السومرية، عُثر على قطعة تعود إلى الفترة بين 2600 و2350 قبل الميلاد، يظهر عليها رجل جالس يحمل سعفة نخيل، فيما تكشف النصوص المسمارية التي درسها الباحثون عن حضور النخلة ومنتجاتها في حياة سكان بلاد ما بين النهرين واقتصادهم. ومع هذا الامتداد، تحولت أجزاء النخلة إلى مواد يستفاد منها بعد جني الثمار، إذ استخدمت الوريقات في صناعة السلال والحصر والمراوح وغيرها من الأدوات التي تقوم على تضفير السعف ونسجه يدوياً.

لم تكن سعفة النخيل تُختار بالطريقة نفسها لكل ما يصنع منها، إذ عرف العاملون بهذه الحرفة أي أجزاء النخلة تصلح لكل قطعة، فكانت السعفات الطرية القريبة من قلب النخلة تستخدم في صناعة المهفة اليدوية، فيما تذهب أنواع أخرى إلى الحصر والأطباق وسفر الطعام والسلال، حتى أصبحت لكل قطعة مادتها وطريقتها التي يتناقلها العاملون بالسعف داخل العائلة جيلاً بعد آخر.

حرفة صنعت تفاصيل الحياة اليومية

وتبدأ صناعة الخوص بجمع السعف وفرزه بحسب حجمه ونوعه، ثم تُفصل وريقاته وتُعرض تحت أشعة الشمس ليومين أو ثلاثة حتى تجف، قبل أن توضع في الماء لتستعيد ليونتها وتصبح قابلة للتشكيل والنسج. بعدها تُرتب الشرائح بحسب أحجامها وتبدأ عملية تضفيرها وربطها لتأخذ شكل القطعة المراد صنعها، وهي مراحل كانت النساء يشاركن فيها على نطاق واسع داخل البيوت، بينما توزعت بعض الصناعات الأخرى بين النساء والرجال تبعاً لحجم القطعة وطريقة إعدادها.

ومن هذه السعفات خرجت حاجات رافقت الحياة اليومية في مناطق عراقية مختلفة، من الحصير الذي يفرش على الأرض، والمهفة التي تستخدم للتخفيف من حر الصيف، و”الطبك” الذي يوضع عليه الخبز، إلى المكانس والسلال وأوعية حفظ التمور والحبال. ووصل استخدام أجزاء النخلة إلى صناعة الأسرّة والكراسي والأقفاص، فيما صنعت القفة الكبيرة من مواد النخيل وطليت بالقير لتستخدم في التنقل عبر نهري دجلة والفرات، وهو ما يكشف مقدار المساحة التي شغلتها النخلة في حياة العراقيين، بعدما تحولت أجزاؤها إلى أدوات يحتاجونها في البيت والعمل والنقل وحفظ الطعام.

حين تراجعت السعفيات أمام المنتجات الحديثة

تراجع استخدام كثير من هذه القطع مع دخول المنتجات الصناعية إلى البيوت العراقية، إذ استبدلت السلال البلاستيكية بالقفف، والمراوح الكهربائية بالمهفات، كما اختفت الحصر والسفر المصنوعة من الخوص تدريجياً من تفاصيل الحياة اليومية في المدن. ومع تقلص الحاجة إليها، انحسر عدد العاملين بالحرفة، خصوصاً مع ما تحتاجه من وقت وجهد مقابل مردود محدود.

وخلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض منتجات السعف تعود إلى الأسواق بصورة مختلفة، بعدما انتقلت من كونها أدوات تستخدم يومياً إلى قطع مرتبطة بالتراث والديكور والهدايا، مع محاولات لإعادة تقديمها بتصاميم وألوان جديدة تحافظ على طريقة صناعتها التقليدية. ويمنح ترشيح الحرفة إلى قائمة “اليونسكو” هذه العودة مساحة أوسع، إذ يضع أمامها فرصة للحماية ونقل مهاراتها إلى أجيال جديدة، بعد سنوات تراجعت خلالها أمام المنتجات الحديثة.

ويأتي ترشيح السعفيات والألياف النباتية إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى “اليونسكو” وسط هذا التحول، مع انتقال جزء من الحرفة من حاجة منزلية أساسية إلى ممارسة تراثية تحتاج إلى الحفاظ على مهاراتها ونقل طرق صناعتها بين الأجيال. وتضع “اليونسكو” الملف المشترك الذي يشارك فيه العراق ضمن ملفات دورة عام 2026 التي لا تزال قيد الدراسة، لتصبح الحرفة التي بدأت من سعفة نخيل وحاجة يومية جزءاً من مسعى أوسع لحماية المعرفة المتوارثة المرتبطة بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى