
يواصل الفيلم الروائي العراقي “جريرة” حضوره في المشهد السينمائي، بعد دخوله ضمن الأفلام العراقية المعدة للترشيح لتمثيل العراق في سباق الترشح لجائزة الأوسكار، في تجربة تسعى إلى تقديم حكاية عراقية ذات أبعاد إنسانية قادرة على تجاوز حدود المكان والوصول إلى جمهور أوسع.
وقال مخرج الفيلم، عمار الحمادي،: إن الشرارة الأولى لفكرة “جريرة” جاءت من حديث جمعه بالمخرج المنفذ حسن العزاوي حول حادثة شخصية، مبيناً أن الحديث عن طفل لا ينام قاده إلى سؤال أساسي أصبح لاحقاً محور الفيلم: كيف يمكن أن يتحمل الأبناء ذنوب الآباء؟
وأوضح الحمادي: أن هذا السؤال فتح مساحة واسعة للتفكير في أثر أخطاء الإنسان على المحيطين به، ولا سيما الأشخاص الذين يحبهم، لتتطور الفكرة تدريجياً إلى حكاية سينمائية تحمل اسم “جريرة”.
وأضاف: أن الفيلم يتناول فكرة أن نتائج الخطأ قد لا تتوقف عند صاحبه، بل يمكن أن تمتد إلى أشخاص آخرين لا علاقة لهم به، مؤكداً إيمانه بأن الإنسان قد يرى نتائج أفعاله في حياته، بصورة مباشرة أو من خلال انعكاسها على من حوله.
تصوير في ليلة واحدة
وعن أبرز التحديات التي واجهت عملية التصوير، أشار الحمادي إلى أن عامل الوقت كان التحدي الأكبر، لكون أحداث الفيلم تدور خلال ليلة واحدة، فيما جرى التصوير ليلاً، الأمر الذي وضع فريق العمل في سباق مستمر مع الزمن لإنجاز المشاهد المقررة قبل طلوع الفجر.
وبيّن أن المحافظة على المستوى الفني والإيقاع والاستمرارية بين المشاهد كانت تتطلب استثمار كل دقيقة، إلا أنه لم ينظر إلى بقية الصعوبات بوصفها تحديات كبيرة، نتيجة حالة الانسجام التي سادت فريق العمل.
رسالة الفيلم
وفي ما يتعلق بالرسالة التي أراد إيصالها إلى المشاهد، قال الحمادي: إن الفيلم لا يهدف إلى تقديم موعظة مباشرة، وإنما إلى دفع المتلقي للتوقف ومراجعة بعض مواقفه وأخطائه، والتساؤل عما إذا كان هناك أشخاص أخطأ بحقهم وما إذا كان أثر تلك الأخطاء لا يزال قائماً.
وعن إمكانية إعادة تصوير الفيلم، أوضح أنه قد يضيف بعض التفاصيل المتعلقة بالجماليات السينمائية، لكنه لا يرى حاجة إلى تغيير جوهر العمل أو مساره، عاداً، أن “جريرة” نجح في إيصال الفكرة التي أرادها صانعوه.
من المحلية إلى العالمية
وعن منافسة الفيلم على تمثيل العراق في سباق الترشح للأوسكار، أكد الحمادي أن الوصول إلى هذه المرحلة يمثل مسؤولية كبيرة، لكون الأمر لا يتعلق بفيلم أو مخرج أو شركة إنتاج فحسب، وإنما باسم العراق والسينما العراقية.
وأضاف: أن وصول الفيلم إلى هذه المرحلة يمثل تقديراً لجهود جميع المشاركين في إنجازه، ودليلاً على قدرة الفيلم العراقي على تقديم حكايات بمستوى وطموح يسمحان لها بالوصول إلى المحافل الدولية.
وأكد أن العراق يمتلك الكثير من القصص والطاقات السينمائية التي تستحق أن يراها العالم، معرباً عن أمله بأن تكون رحلة «جريرة» خطوة تضاف إلى مسيرة السينما العراقية، وأن يصبح حضور الفيلم العراقي في المحافل الدولية أمراً مستمراً وطبيعياً.
وبيّن، أن عالمية الفيلم تنطلق من فكرته الإنسانية، موضحاً، أن “جريرة” يتناول الخطأ والندم والمسؤولية ومحاولة التصحيح، وهي مشاعر وتجارب لا ترتبط بمجتمع أو دولة محددة.
مؤكداً أن الفيلم “عراقي في صناعته وروحه، لكنه مقدم للإنسانية جمعاء”.
تبيين: منح الفرصة للشباب
من جانبه، قال مدير شركة تبيين للتطوير والإنتاج الفني والإعلامي، أحمد الموسوي،: إن تبني “جريرة” جاء انطلاقاً من إيمان الشركة بوجود طاقات عراقية شابة تمتلك أفكاراً ورؤية سينمائية حقيقية، لكنها تحتاج إلى الثقة والفرصة والإمكانات لتحويل أفكارها إلى أعمال تصل إلى شاشة السينما.
وأضاف: أن الشركة وجدت في الفيلم فكرة إنسانية قادرة على مخاطبة الجمهور، من خلال تناوله الذنب والندم وتبعات أفعال الإنسان على نفسه وعلى الآخرين، ضمن حكاية عراقية يتجاوز مضمونها حدود المكان.
وبيّن، أن قرار تبني الفيلم لم يكن قائماً على الحسابات التجارية فقط، وإنما على الرغبة في تأسيس تجربة سينمائية عراقية وفتح المجال أمام جيل جديد من صناع الأفلام، مؤكداً، أن نجاح التجربة أثبت أن منح الشباب الفرصة، عندما يقترن بالإدارة والإنتاج الجاد، يمكن أن يحقق نتائج مهمة.
وأوضح الموسوي، أن الشركة حرصت في اختيار فريق الفيلم على الجمع بين الطاقات الشابة والخبرات الفنية، مشيراً إلى مشاركة المخرج عمار الحمادي في المشروع وورشة الكتابة إلى جانب نور الدين ساري وحسن العزاوي ومحمد باسم جدوع.
كما ضم الفيلم مجموعة من الفنانين، بينهم وسام ضياء، وهيلين الوندي، ومصطفى داخل، وآسيا كمال، وسنان العزاوي، وذو الفقار خضر، وزينب العاني، إلى جانب عدد من الفنانين والفنيين.
تحديات الإنتاج العراقي
وأشار الموسوي إلى أن أبرز تحديات إنتاج الفيلم العراقي المستقل تتمثل في اتساع الطموح الفني مقارنة بالإمكانات المتاحة، فضلاً عن تحديات التمويل والتنظيم ومواقع التصوير والمعدات، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الإنتاج والتسويق والتوزيع والوصول إلى الجمهور.
وانتقد ضعف الفرص المتاحة أمام المنتج العراقي في بعض صالات العرض والمنصات الإلكترونية، داعياً إلى توفير بيئة إنتاج أكثر استقراراً، وتعامل المؤسسات مع السينما بوصفها صناعة مستدامة وليست نشاطاً موسمياً مرتبطاً بالمهرجانات والمناسبات.
جوائز وحضور جماهيري
ولفت الموسوي إلى أن “جريرة” حصل على جائزة الجمهور في مهرجان بغداد السينمائي الدولي، فيما حصل الفنان وسام ضياء على تنويه خاص من لجنة التحكيم عن دوره في الفيلم.
كما أشار إلى تجربة عرض الفيلم داخل دور التوقيف، عاداً إياها مؤشراً على قدرة السينما على تجاوز وظيفة الترفيه لتصبح وسيلة للحوار والتأثير وإثارة الأسئلة.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد العمل على توسيع حضور الفيلم والمشاركة في مهرجانات ومساحات أوسع، إلى جانب إيصال التجربة العراقية إلى الجمهور العربي والدولي، بالتوازي مع تطوير مشاريع سينمائية جديدة في شركة تبيين.
السينما العراقية قادرة على المنافسة
وقال الموسوي: إن السينما العراقية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً متى ما توفرت لها الإمكانات الإنتاجية والتسويقية المناسبة، مؤكداً، أن العراق يمتلك تاريخاً وتحولات وتجارب إنسانية غنية تشكل مادة خصبة للسينما.
تجربة سينمائية مختلفة
من جهته، وصف الإعلامي وصانع الأفلام، حسن جعفر، تجربة الفيلم الروائي الطويل «جريرة» بأنها تجربة مختلفة عن عدد من الأعمال السينمائية العراقية التي أُنتجت خلال السنوات العشر الأخيرة، مشيراً إلى أن الفيلم أُنجز بسواعد عراقية خالصة، جمعت بين المعرفة الأكاديمية والموهبة والخبرة العملية.
وقال جعفر: إن الشركة المنتجة خاضت تجربة الإنتاج رغم مخاطر الخسارة والمجازفة، وبادرت إلى إطلاق الفيلم للجمهور، لافتاً إلى أن “جريرة” تمكن في أول مشاركة رسمية له من حصد جائزتين في مهرجان بغداد السينمائي، فيما شهد عرضه الجماهيري في البصرة حضور مئات المشاهدين، الذين أبدوا اهتماماً ومتابعة لافتة لمشاهدة تجربة سينمائية عراقية خالصة.
وأكد، أن المنظومة السينمائية العراقية، بمختلف مؤسساتها في القطاعين العام والخاص، مطالبة بدعم تجربة “جريرة” وتعزيز فرص وصوله إلى الجمهور، ولا سيما من خلال توفير عروض جماهيرية أوسع، إلى جانب المساهمة في إبرام بروتوكولات واتفاقات لعرض الفيلم عبر المنصات الإلكترونية التي توفر حماية قانونية للمنتج السينمائي العراقي.
وأوضح، أن مثل هذا الدعم يمثل دوراً تكاملياً في تعزيز صندوق الفيلم وتشجيع المنتجين وصناع الأفلام على خوض تجارب مماثلة، بما يسهم في ترسيخ صناعة سينمائية عراقية مستدامة وفتح المجال أمام المواهب الشابة لتقديم أعمال قادرة على المنافسة محلياً ودولياً






