
الرياضية
أريان علي.. رحلة لاعب عراقي من شطرنج الطفولة إلى حلم غراند ماستر
على رقعة الشطرنج في مدينة سمرقند الأوزبكية، جلس اللاعب العراقي، أريان علي إحسان، أمام واحد من أبرز لاعبي العالم، في مباراة بدت فيها الأرقام بعيدة بين الطرفين، قبل أن تنتهي الرقعة من دون فائز. كان منافسه الأستاذ الكبير ليفون أرونيان، المصنف بـ 2725 نقطة، فيما دخل أريان المباراة بتصنيف بلغ 2163 نقطة، لينهي لاعب المنتخب الوطني العراقي المواجهة بالتعادل في الجولة الأولى من أولمبياد الشطرنج الـ 46.
جاءت المباراة ضمن مشاركة أريان مع المنتخب العراقي في البطولة التي أقيمت بين 16 و27 أيلول 2026، وخاض خلالها عشر مباريات، محققاً أربعة انتصارات وتعادلاً أمام أرونيان، في مشاركة وضعته وجهاً لوجه مع لاعبين ينتمون إلى مستويات ومدارس مختلفة في واحدة من أكبر مسابقات الشطرنج الدولية.
كان الطفل القادم من خانقين يتعلم حركة القطع الأولى بتشجيع من والده، ثم تحولت اللعبة التي دخلها في طفولته إلى سنوات من التدريب والبطولات، وصولاً إلى حمل لقب أستاذ مرشح وتمثيل العراق في المنافسات الدولية.
بدأ أريان علي تعلّم الشطرنج في خانقين على يد والده وعمّه، قبل أن تتحول اللعبة خلال سنوات قليلة من ممارسة عائلية إلى مسيرة قادته نحو البطولات المحلية والدولية وتمثيل المنتخب الوطني العراقي.
وقال أريان : “في خانقين لم تكن هناك بطولات أستطيع المشاركة فيها، ثم ذهبت إلى السليمانية وشاهدت وجود بطولات، وبعد نحو عام من تعلمي بدأت أشارك وأحقق نتائج جيدة”.
وأضاف، أن “تلك المشاركات الأولى غيرت علاقته باللعبة، بعدما بدأ اللاعبون من حوله يشجعونه على الاستمرار ويخبرونه بامتلاكه موهبة يمكن تطويرها، موضحاً أنه واصل الذهاب إلى السليمانية للمشاركة في البطولات، قبل أن تنتقل عائلته لاحقاً إلى المدينة”.
ومع انتقاله إلى السليمانية، اتسعت مساحة مشاركاته، وتعاقد مع نادي البيشمركة، ليبدأ مرحلة أكثر انتظاماً في المنافسات، ويصبح لاحقاً من أبرز لاعبي النادي.
وأشار أريان إلى أن “أول مشاركة له في بغداد كانت من أهم المحطات في مسيرته”، وقال: إن “أبرز مشاركة أعدها نقطة تحول كانت في بغداد، وكان يبلغ 18 عاماً، وتمكن من الحصول على المركز الثاني في بطولة شباب العراق، وكانت النتيجة مفاجأة كبيرة بالنسبة له، منحته الدافع والثقة لمواصلة اللعب والتطور”.
وتوالت نتائج أريان بعد تلك البطولة، ففي عام 2021 أحرز المركز الأول في بطولة العراق للشطرنج الخاطف، ثم حصل في عام 2022 على المركز الثالث في بطولة العراق للشطرنج الكلاسيكي، وفي العام نفسه شارك مع المنتخب الوطني في بطولة الدول العربية التي أقيمت في الجزائر، وحقق المنتخب الميدالية البرونزية.
وحقق مع نادي البيشمركة الميدالية الذهبية في بطولة الأندية العربية على مستوى الفريق، إلى جانب حصوله على الذهبية على الطاولة التي لعب عليها، كما أحرز الميدالية الفضية في بطولة مدن آسيا التي أقيمت في خانتي مانسييسك الروسية، بعد مشاركته على الطاولة الخامسة.
وفي عام 2025، تمكن من تحقيق لقب بطولة العراق للشطرنج الخاطف للمرة الثانية، فيما حصل في العام نفسه على المركز الثاني في بطولة العراق للشطرنج الكلاسيكي.
وعن برنامجه الحالي، أكد أريان، أن عمله في التدريب بات يأخذ جزءاً كبيراً من وقته، إذ يعمل مدرباً في أكاديمية للشطرنج في السليمانية، إلى جانب تدريب لاعبين من محافظات عراقية أخرى عبر الإنترنت.
وأضاف، أن “اللاعب في الشطرنج داخل العراق لا يحصل دائماً على الإمكانات المادية التي تسمح له بالاعتماد على اللعب وحده كمصدر للعيش، لذلك أصبح التدريب جزءاً أساسياً من عملي، رغم أنني ما زلت أشارك كلاعب وأسعى إلى تطوير مستواي”.
ولا يقتصر الوصول إلى المنتخب العراقي على نتيجة واحدة أو بطولة واحدة، إذ يمر اللاعب بعدة مراحل تنافسية تبدأ من مدينته، قبل أن يصل إلى النهائيات التي تحدد أسماء ممثلي العراق.
وقال أريان: إن “اللاعب يجب في البداية أن يكون من الأوائل في مدينته حتى يتأهل إلى بطولة الزون، التي تقسم المحافظات إلى مناطق تضم كل واحدة منها نحو أربع محافظات متقاربة، ويتأهل من كل زون خمسة لاعبين فقط”.
وأضاف، أن “المتأهلين يجتمعون بعد ذلك في بطولة نهائي العراق الأول، أو ما يسمى أحياناً نهائي باء، ويشارك فيها نحو 25 إلى 30 لاعباً، ثم يتأهل خمسة منهم للعب مع خمسة لاعبين من منتخب السنة السابقة، ليصبح العدد عشرة لاعبين في نهائي العراق”.
وتابع، أن “المنافسة تكون قوية في هذه المرحلة، لأن خمسة لاعبين فقط يصلون إلى المنتخب العراقي، إلى جانب بطل العراق صاحب المركز الأول، ولذلك يمر اللاعب بعدة اختبارات ويحتاج في كل مرحلة إلى إثبات مستواه حتى يصل إلى تمثيل المنتخب”.
ومع صعوبة الوصول إلى المنتخب، يرى أريان أن التحدي الأكبر يبدأ بعد ذلك، في ظل محدودية الدعم وقلة الفرص التي تسمح للاعب بالتفرغ الكامل للتدريب.
وأوضح، أن “أي لاعب في مستواي أو بمستوى لاعبي المنتخب العراقي يحتاج إلى ست ساعات تدريب يومياً على الأقل، لكن من الصعب أن يتفرغ اللاعب للشطرنج بهذا الشكل، لأن المبالغ التي يحصل عليها لا تكفي لكي يعتمد على اللعبة وحدها”.
وأشار إلى أن مستوى الدعم كان أفضل في فترات سابقة، فيما يجد اللاعب حالياً نفسه أمام ضرورة الجمع بين التدريب الشخصي والعمل لتأمين مصدر دخل.
وأضاف، أن “فرص اللعب أمام لاعبين أقوياء قليلة جداً، وعدم وجود عدد كافٍ من البطولات القوية يؤثر في تطور اللاعب، لأن الشطرنج يحتاج إلى منافسة مستمرة واحتكاك بمستويات أعلى”.
وأكد أهمية زيادة الدعم المخصص للألعاب الفردية، عاداً أن لاعبي هذه الرياضات قادرون على تحقيق نتائج دولية متقدمة متى ما توفرت لهم بيئة تدريب ومنافسة أفضل.
وتابع، أن “الألعاب الفردية تستطيع أن تحقق أبطالاً ونتائج ترفع اسم العراق، وأتمنى أن تحصل على اهتمام ودعم أكبر، لأن الجزء الأكبر من الضوء والاهتمام يذهب حالياً إلى الألعاب الجماعية”.
وأوضح أريان، أن “حلم كل لاعب شطرنج هو الحصول على لقب غراند ماستر، وهذا بالنسبة لي أيضاً حلم كبير، خصوصاً أن العراق لم يحصل حتى الآن على لاعب يحمل هذا اللقب”.
وأضاف، أن “العمر في الشطرنج أصبح عاملاً مهماً، واللعبة باتت تعتمد بصورة كبيرة على اللاعبين الشباب، حتى أن لاعبين دون سن 18 عاماً أصبحوا أبطالاً للعالم، ومع ذلك ما زال لدي الأمل والطموح للوصول أولاً إلى لقب الأستاذ الدولي”.
وأكد أريان، أنه ما زال متمسكاً بالمحاولة، قائلاً: إن “توفر هذه الظروف يمكن أن يجعل الحلم أقرب إلى الواقع”.





