السياسية

مستشار رئيس الوزراء: المئة يوم الأولى من عمر الحكومة أظهرت إرادة سياسية لإصلاح بنية الاقتصاد

أكد المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، اليوم السبت، أن تقييم حكومة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي بعد مرور 100 يوم على تشكيلها ينبغي ألا يقتصر على عدد الأيام التي أمضتها في السلطة، وإنما على الاتجاه الذي اختارته منذ بدء عملها، مشيراً إلى أن الحكومة تسلمت المسؤولية في ظرف عراقي بالغ التعقيد.
وقال صالح: إن “الحكومة جاءت إلى المسؤولية في ظرف عراقي بالغ التعقيد؛ اقتصاد شديد الاعتماد على النفط، ودولة مثقلة بإرث إداري ومالي طويل، وفساد متجذر، وتحديات أمنية وسيادية، وضغط اجتماعي متزايد يبحث عن فرص العمل والخدمات والحياة الكريمة”.
وأضاف أن “حكومة الزيدي لم تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها أزمات منفصلة، بل حاولت النظر إليها باعتبارها أجزاء من مشكلة واحدة، تتمثل ببناء الدولة واستعادة قدرتها على إدارة مواردها ومصالحها”.
وأشار إلى أن “ملف مكافحة الفساد كان في مقدمة الملفات التي أعطتها الحكومة أولوية واضحة”، مبيناً أن “الأهمية لا تكمن فقط في فتح ملفات أو اتخاذ إجراءات، وإنما في نقل مكافحة الفساد من الخطاب السياسي المعتاد إلى مسار أكثر مؤسسية يقوم على الرقابة واسترداد المال العام ومساءلة المتورطين”.
وأوضح أن “تحويل مكافحة الفساد إلى معركة معلنة ومستمرة يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، بعد أن أصبح الفساد خلال سنوات طويلة واحداً من أكبر العوائق أمام بناء الدولة”.
ولفت صالح إلى أن “حكومة الزيدي لم تكتفِ بإدارة الاقتصاد القائم، بل طرحت فكرة إصلاح بنيته”، مبيناً أن “الحديث عن موازنة البرامج وإصلاح القطاع المصرفي وتطوير النظامين الضريبي والجمركي ودعم القطاع الخاص وإنشاء أدوات جديدة لتمويل التنمية والاستثمار، يعكس محاولة للانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع إلى اقتصاد يستطيع إنتاج القيمة”.
وأكد أن “العراق لا تنقصه الموارد، وإنما ينقصه تحويل الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وثروة مستدامة”، مشيراً إلى “أهمية توجه الحكومة نحو الاستثمار والطاقة والبنية التحتية، ومحاولة فتح الباب أمام شراكات استثمارية أوسع”.
وأضاف أن “تنويع الاقتصاد ليس شعاراً مالياً فحسب، بل هو الطريق إلى بناء سوق عمل حقيقية وإعادة تشكيل الطبقة الوسطى العراقية على أساس العمل والإنتاج والكفاءة”.
وفي ما يتعلق بالقطاع الخاص، أوضح صالح أن “العراق لن يستطيع بناء مستقبله اعتماداً على الوظيفة الحكومية وحدها”، مبيناً أن “المطلوب هو اقتصاد يخلق فرصاً خارج الدولة، ويمنح الطبيب والمهندس والتاجر والمزارع والصناعي ورائد الأعمال مساحة حقيقية للنمو”.
وأشار إلى أن “نجاح الحكومة في هذا المسار لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات التي تستقطبها، وإنما بعدد الوظائف المنتجة التي تخلقها، وبقدرتها على تحويل الاستثمار إلى نشاط اقتصادي يشعر به المواطن”.
وعلى مستوى الدولة والسيادة، أكد صالح أن “التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة واستعادة القرار الوطني يمثل رسالة سياسية واضحة بأن بناء الاقتصاد لا يمكن أن ينفصل عن بناء الدولة”، مشدداً على أن “لا اقتصاد قوياً من دون دولة قوية، ولا استثمار مستقراً من دون بيئة أمنية وسيادية واضحة، ولا طبقة وسطى مستقرة من دون مؤسسات تعمل وفق القانون”.
وفي ملف الطاقة، أشار إلى أن “الحكومة تنظر إلى الكهرباء والطاقة باعتبارهما أكثر من مجرد ملف خدمي، فهما أساس الصناعة والاستثمار والإنتاج، وأي نجاح حقيقي في هذا القطاع يمكن أن ينعكس على الاقتصاد بأكمله”.
وبين أن “تحركات الحكومة في الطاقة والاستثمار يمكن قراءتها بوصفها جزءاً من مشروع أوسع، يتمثل بتحويل العراق من اقتصاد يستهلك موارده إلى اقتصاد يستطيع أن يستثمرها”.
وقال صالح: إن “أكثر ما يلفت في تجربة الزيدي خلال هذه الفترة القصيرة هو أن الحكومة لم تختبئ خلف صعوبة الظروف، بل وضعت يدها على الملفات الصعبة، ومنها الفساد والريع النفطي والمالية العامة والطاقة والاستثمار والقطاع الخاص والسيادة”.
وأكد أن “الحكومات لا تُختبر فقط بما تغلقه من ملفات، وإنما أيضاً بما تجرؤ على فتحه”، لافتاً إلى أن “الأشهر الأولى لا يمكن أن تكون كافية للحكم على نتائج إصلاحات تحتاج بطبيعتها إلى سنوات، لكنها يمكن أن تكون كافية لاكتشاف اتجاه الحكومة وإرادتها السياسية”.
وأوضح أن “الزيدي لا يطرح، في خطابه الاقتصادي، مجرد زيادة الإنفاق، وإنما يتحدث عن إصلاح بنية الاقتصاد، ولا يتحدث عن مكافحة الفساد باعتبارها حملة إعلامية، وإنما باعتبارها قضية دولة”.
وأضاف أن “الحكومة لا تتعامل مع القطاع الخاص كضيف على الاقتصاد العراقي، وإنما كطرف أساسي في إنتاج الثروة، ولا تنظر إلى الطاقة باعتبارها خدمة فقط، وإنما باعتبارها قاعدة للتنمية، كما لا تفصل بين السيادة والاستقرار وبين القدرة على جذب الاستثمار وبناء الاقتصاد”.
وأكد أن “نجاح الحكومة في تحويل ما طرحته خلال الأشهر الأولى إلى سياسات مستدامة ونتائج ملموسة، يعني أنها لن تكون قد حققت مجرد إنجازات حكومية متفرقة، وإنما بدأت في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمواطن”.
وأشار إلى أن “القيمة الأهم في بداية عهد الزيدي هي إعادة طرح السؤال المتعلق بكيفية الانتقال من دولة توزع الريع إلى دولة تصنع الثروة، ومن اقتصاد يزداد فيه الغني غنىً كلما ضاقت فرص الآخرين إلى اقتصاد تصبح فيه زيادة ثروة الفرد إضافة إلى ثروة المجتمع”.
وختم صالح بالقول إن “أهمية المئة يوم الأولى لا تكمن في أنها حققت كل شيء، وإنما في أنها أظهرت أن هناك حكومة تريد أن تبدأ من الملفات التي طال تأجيلها”، مبيناً أن “شجاعة فتح الملفات الصعبة قد تكون أول إنجاز حقيقي قبل أن تظهر نتائجها على الأرض”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى