
يحتفل العالم في 30 أيلول من كل عام باليوم الدولي للترجمة، وهي مناسبة تستعيد فيها البشرية دور مهنة رافقت الحضارات منذ آلاف السنين، وأسهمت في نقل العلوم والمعارف بين الشعوب، وبينما كان المترجم في بغداد القديمة يحظى بمكانة علمية رفيعة، ويروى أن بعض المترجمين كانوا يكافؤون بوزن ما يترجمونه ذهباً، أصبحت الترجمة اليوم متاحة بضغطة زر عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يطرح تساؤلات عن مستقبل المترجم البشري وحدود الآلة.
الترجمة.. جسر بين اللغات والحضارات
لا تقتصر الترجمة على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل تؤدي دوراً أساسياً في التواصل بين الشعوب ونقل العلوم والمعارف والثقافات، فضلاً عن استخدامها في المعاهدات الدولية والأخبار والتعليم والطب والقانون والمحاكم.
ومع وجود آلاف اللغات واللهجات حول العالم، أصبحت الترجمة وسيلة أساسية للوصول إلى المعرفة وتحقيق التواصل، فيما قد يؤدي الخطأ في بعض المجالات، ولا سيما الطبية والقانونية والسياسية، إلى نتائج بالغة الخطورة.
يوم الترجمة
ويرتبط اختيار 30 أيلول بالقديس جيروم، الذي توفي في هذا اليوم عام 420 للميلاد، ويعد شفيع المترجمين في التقليد المسيحي.
وعاش جيروم متنقلاً بين عدد من المراكز العلمية في العالم القديم قبل أن يستقر في بيت لحم، حيث أمضى سنوات في ترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية اعتماداً على أصوله العبرية واليونانية، لتصبح ترجمته لاحقاً من أبرز الترجمات المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية.
وفي عام 1953 تأسس في باريس الاتحاد الدولي للمترجمين، الذي يضم جمعيات مهنية للمترجمين التحريريين والفوريين والمصطلحيين، فيما دعا الاتحاد عام 1991 إلى اعتماد 30 أيلول مناسبة عالمية للتعريف بمهنة الترجمة وتعزيز مكانتها.
وفي 24 أيار 2017، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 71/288، الذي أعلن 30 أيلول يوماً دولياً للترجمة، مؤكداً أهمية الترجمة المهنية في تعزيز التواصل بين الأمم، والسلام والتفاهم والتنمية.
الترجمة مشروعاً حضارياً
ويبرز العراق في تاريخ الترجمة العالمية من خلال الدور الذي أدته بغداد في العصر العباسي، عندما أصبحت الترجمة مشروعاً علمياً وحضارياً واسعاً.
فقد كان بيت الحكمة مركزاً للبحث والترجمة وجمع المخطوطات، ونُقلت فيه مؤلفات من اليونانية والفارسية والسريانية والهندية إلى العربية، الأمر الذي أسهم في انتقال علوم الطب والفلك والرياضيات والفلسفة إلى الحضارة الإسلامية.
وسبق هذه الحركة تراث المترجمين السريان ومدرسة جنديسابور الطبية، قبل أن تتوسع بغداد في تنظيم حركة الترجمة ورعايتها.
وبرز خلال تلك المرحلة عدد من أعلام الترجمة والعلوم، بينهم ابن المقفع، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، إلى جانب أسرة آل بختيشوع والكندي.
ويعد حنين بن إسحاق من أبرز أعلام حركة الترجمة، إذ كان يعتمد على مقارنة أكثر من مخطوطة للكتاب الواحد قبل ترجمته، في منهج يقوم على التدقيق والمراجعة، كما انتقل من الترجمة الحرفية إلى فهم المعنى وإعادة صياغته بلغة عربية سليمة.
ومن بغداد انتقلت المعارف المترجمة إلى الأندلس وصقلية، ثم وجدت طريقها إلى أوروبا عبر مراكز علمية بينها طليطلة، لتسهم في انتقال العلوم العربية والإسلامية إلى الجامعات الأوروبية.
من المخطوطة إلى الخوارزمية
مرت مهنة الترجمة خلال القرون بتحولات كبيرة، بدءاً من المخطوطات والوراقة، مروراً بالمطبعة والمعاجم الحديثة والترجمة الفورية، وصولاً إلى الحاسوب وقواعد المصطلحات وذاكرات الترجمة.
أما الترجمة الآلية، فبدأت محاولاتها الحديثة في خمسينيات القرن الماضي، ثم تطورت من الأنظمة القائمة على القواعد إلى الأساليب الإحصائية، وصولاً إلى الشبكات العصبية.
ومع ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، دخلت الترجمة مرحلة جديدة، إذ باتت الأنظمة قادرة على التعامل مع السياق، ومحاكاة الأساليب المختلفة، وإنتاج نصوص بلغات متعددة خلال ثوانٍ.
وقد أسهم ذلك في تسريع الوصول إلى المعرفة، وتوفير أدوات للمترجمين تساعدهم في البحث عن المصطلحات وتوحيدها ومراجعة النصوص والتعامل مع كميات كبيرة من المواد.
تغير سوق الترجمة
في المقابل، فرض انتشار أدوات الترجمة الآلية تحديات جديدة على العاملين في المهنة، ولا سيما المترجمين المستقلين، مع اتجاه بعض العملاء إلى طلب ترجمة آلية تخضع لاحقاً للمراجعة البشرية مقابل أجور أقل.
ويرى عدد من المترجمين أن التغيير لم يعد مقتصراً على النصوص التقنية، بل بدأ يمتد إلى مجالات أخرى، فيما أصبحت مراجعة النص الآلي مسؤولية دقيقة، لأن بعض الأخطاء قد تختبئ خلف صياغة تبدو سليمة ومتماسكة.
ويزداد الأمر حساسية في الترجمة الإعلامية، إذ قد يؤدي الخطأ في اسم أو مصطلح أو سياق سياسي إلى تغيير معنى التصريح أو الخبر، خصوصاً في القضايا التي تحمل أبعاداً سياسية أو أمنية.
ما الذي لا تستطيع الآلة القيام به؟
وعلى الرغم من التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لا تزال هناك جوانب تعتمد بدرجة كبيرة على المترجم البشري، أبرزها فهم السياق الثقافي، والسخرية والإيحاءات، والأمثال والتعبيرات المحلية، فضلاً عن اكتشاف الأخطاء الموجودة في النص الأصلي.
كما أن الترجمة الأدبية تتطلب أحياناً إعادة بناء الجملة لتحقيق الأثر نفسه لدى القارئ، وهي عملية ترتبط بالذائقة والأسلوب والخبرة الثقافية للمترجم.
ويبرز كذلك عامل المسؤولية، خصوصاً في المجالات الطبية والقانونية والإعلامية، حيث قد تكون نتائج الخطأ كبيرة، ما يجعل المراجعة البشرية عاملاً أساسياً قبل اعتماد النص.
الجامعات أمام تحدٍ جديد
وألقى انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي بظلاله على تعليم الترجمة في الجامعات، مع تزايد اعتماد بعض الطلبة على الأدوات الرقمية في إنجاز البحوث والترجمات.
ويطرح ذلك تحدياً أمام أقسام الترجمة لإعادة النظر في أساليب التدريس، من خلال التركيز على المراجعة النقدية، وإدارة المصطلحات، والتخصص، وفهم الثقافات، وتعليم الطلبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مع إدراك حدودها ومخاطر الاعتماد الكامل عليها.
الأدب.. مساحة مختلفة
وفي الترجمة الأدبية، ما زالت الحاجة إلى البصمة الإنسانية أكثر وضوحاً، إذ لا يبحث القارئ عن نقل المعنى فقط، وإنما عن أسلوب يحافظ على روح النص وشخصياته وإيقاعه وأبعاده الثقافية.
ويرى مترجمون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة في البحث وإعداد المسودات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الشخصية والثقافية للمترجم، وهي عناصر قد تكون حاسمة في نقل الأعمال الأدبية والفكرية.
العراق والتنوع اللغوي
ويكتسب موضوع الترجمة أهمية خاصة في العراق، بالنظر إلى تنوعه اللغوي والثقافي، ووجود العربية والكردية والتركمانية والسريانية وغيرها من اللغات واللهجات.
ومع توسع الذكاء الاصطناعي، تظهر تحديات مرتبطة بتمثيل اللغات الأقل حضوراً في المحتوى الرقمي، إذ لا تقدم الأدوات نفسها المستوى من الدقة في جميع اللغات، ما يفرض الحاجة إلى بناء مدونات لغوية وقواعد بيانات وقواميس ومصطلحات حديثة لهذه اللغات.
ويمثل دعم الترجمة وتطوير الموارد اللغوية لهذه المكونات جزءاً من الحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي، وضمان وصول المواطنين إلى المعلومات والخدمات بلغاتهم.
مهنة لا تختفي
ويبدو أن التحول التكنولوجي لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء المترجم، بقدر ما يعيد تعريف دوره. فالمترجم الجديد سيكون مطالباً إلى جانب إتقانه اللغات، بالتخصص في مجالات محددة، والقدرة على مراجعة النصوص التي تنتجها الآلات، وفهم السياقات الثقافية، وإدارة المصطلحات واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بكفاءة.
وبعد أكثر من ألف عام على ازدهار الترجمة في بغداد، تبدو المهنة أمام مرحلة جديدة تشبه في سرعتها التحولات التي أحدثتها المطبعة والحاسوب من قبل، غير أن الفارق هذه المرة يكمن في قدرة الآلة على إنتاج النص ذاته.
ويبقى التحدي الأساسي هو الحفاظ على المعنى والدقة والسياق والمسؤولية الإنسانية، وهي عناصر جعلت من الترجمة، عبر تاريخها الطويل، أكثر من مجرد نقل كلمات بين لغتين، لتصبح وسيلة لبناء جسور المعرفة والتفاهم بين الشعوب.



