الثقافيةالفنية

“العراق في هذا اليوم”.. كاتب يوثق خمسة قرون من تاريخ البلاد اليوم, 14:20

صدر للكاتب، فتيان أكرم الراوي، كتاب (العراق في هذا اليوم)، الذي يوثق أحداثاً من التاريخ العراقي تمتد من عام 1555 حتى 2020، ويقع في 736 صفحة، جامعاً وقائع سياسية واجتماعية وثقافية رتبها بحسب أيام السنة.

ويستند الكتاب إلى مصادر ووثائق تاريخية متعددة، في محاولة لجمع أحداث متفرقة من تاريخ العراق ضمن تسلسل زمني يتيح للقارئ العودة إلى اليوم نفسه ومعرفة ما شهده عبر مراحل مختلفة، فيما يقدم الراوي من خلاله قراءة توثيقية تمتد على قرابة خمسة قرون.

وقال الراوي : إن “فكرة الكتاب، الصادر عن دار (ظنون) ودار (جسد)، بدأت أثناء مطالعته موسوعة العراق السياسية لعبد الرزاق محمد أسود، إذ كان يجمع منها معلومات تتعلق بـالحرب العالمية الأولى في العراق، ومع تزايد عدد الأحداث التي يسجلها وصعوبة ترتيبها بصورة متسلسلة، قرر إنشاء قاعدة بيانات تحفظ المعلومات وتتيح له إعادة ترتيبها بالطريقة التي يحتاجها، واستمر بعدها بجمع الأحداث من مصدر إلى آخر مدة قاربت أربع سنوات”.

وأضاف أن “الطبعة الأولى تبدأ بأقدم حدث توصل إليه خلال البحث، وهو اتفاقية أماسيا عام 1555، وتنتهي بأحداث عام 2020″، مشيراً إلى أن “اختيار هذه الحدود الزمنية لم يكن مخططاً له مسبقاً، وإنما فرضه نطاق الأحداث التي عثر عليها أثناء العمل”، منوهاً بأن “عملية البحث لا تزال مستمرة، وفي حال العثور على حدث أقدم أو أحدث ستتغير الحدود الزمنية للكتاب في الطبعات المقبلة”.

وأشار إلى أن “الكتاب مر قبل وصوله إلى نسخته المنشورة بعدة مراحل، إذ بلغ في مرحلة أولى نحو 300 صفحة، ثم ارتفع إلى 500 صفحة قبل أن يتأجل إصداره مرة أخرى، فيما ظل البحث وتسجيل المعلومات مستمرين حتى وصل إلى 732 صفحة وأصبح جاهزاً للطباعة والنشر”، مبيناً أن “ترتيب المادة لم يقتصر على توزيع الأحداث بحسب أيام السنة، إذ داخل الكتاب ترتيباً آخر للأحداث الممتدة زمنياً ،وضرب مثالاً بثورة العشرين، إذ يجد القارئ إلى جانب التاريخ تعريفاً يحدد اليوم الأول من الثورة ثم اليوم الثاني والثالث وصولاً إلى يومها الأخير، وهي الطريقة نفسها التي اتبعها في بقية الموضوعات التي تتضمن أحداثاً متسلسلة”.

وأشار إلى أن “العمل على توثيق الأحداث استند إلى عدد كبير من المصادر العراقية والعربية والأجنبية”، موضحاً أن “كل حدث داخل الكتاب أُرفق بمصدره، فيما كانت الأحداث المتضاربة أو المختلف على تواريخها تخضع للمراجعة عبر أكثر من مرجع للوصول إلى المعلومة الأدق، كما أن بعض الأحداث وردت في الكتاب مدعومة بأربعة مصادر مختلفة، نتيجة الحاجة إلى التدقيق والمقارنة بين الروايات”.

وفي جانب البحث والتأكد من رصانة المصادر واختيارها، أوضح الراوي، أن “الأستاذ الجامعي في الأردن والبروفيسور في إدارة المعلومات والمكتبات، مصطفى حمدي الراوي، تعاون معه خلال مراحل العمل، خصوصاً في ما يتعلق بطرق البحث والتعامل مع المصادر والتحقق منها”.

وحول اختيار الأحداث التي ضمها الكتاب، أكد الراوي أن “أهمية الحدث لم تكن قراراً اتخذه أثناء عملية الجمع، إذ إن المؤرخين الذين وثقوا تلك الوقائع سابقاً هم من حددوا أهميتها من خلال تسجيلها في مصادرهم، فيما تمثل دوره في جمع المعلومات الموثقة من مصادر مختلفة ووضعها داخل كتاب واحد وفق ترتيب زمني موحد”.

وتابع ان “مادة الكتاب لم تحصر بالأحداث التي وقعت داخل الحدود العراقية، إذ شمل الكتاب كل واقعة ترتبط بتاريخ العراق حتى عندما جرت خارج البلاد”، مستشهداً بـ”تأميم قناة السويس، الذي لم يقع في العراق، فيما كانت له ارتباطات وانعكاسات داخلية مهمة تستوجب إدراجه حتى تكتمل صورة المرحلة التاريخية والسياق المحيط بها”.

من أماسيا إلى 2020

وذكر الراوي، أن “أقدم حدث وثقه في الكتاب يعود إلى اتفاقية أماسيا عام 1555 بين الدولة العثمانية والدولة الفارسية، إذ إن الاتفاقية جاءت نتيجة الصراعات بين الدولتين بشأن تبعية الأراضي العراقية، وأسهمت في تثبيت بغداد ضمن النفوذ العثماني خلال المرحلة التي أعقبتها”.

وعن الأحداث التي استغرقت وقتاً أطول في البحث والتحقق، أوضح الراوي، أنه “لا يتذكر واقعة محددة كانت الأطول، غير أن بعض الأحداث دفعته إلى التواصل مباشرة مع أصحاب العلاقة بها للتأكد من صحتها، ومن بينها حادثة مقتل الفنانة التشكيلية العراقية ليلى العطار، بعدما انتشرت رواية تربط مقتلها برسم صورة للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش في فندق الرشيد، حيث تواصلت مع نجلها حيدر الذي أكد عدم صحة هذه المعلومة نهائياً”.

وأشار إلى أن “اختلاف الروايات لم يكن أمراً استثنائياً خلال البحث، إذ ينظر كل مؤرخ إلى الأحداث من زاويته الخاصة، وهو ما يجعل بعض الوقائع بحاجة إلى عرض أكثر من رؤية حتى تظهر جوانبها المختلفة”، مبيناً أن “التاريخ العراقي يتضمن نماذج كثيرة من هذه الحالات، وتكررت فيه الروايات المتباينة بشأن الحدث نفسه عبر مراحل زمنية مختلفة”.

وبخصوص فكرة الكتاب وما يميزها عن خدمة (حدث في مثل هذا اليوم) المتداولة في المواقع ووسائل الإعلام، أكد الراوي أن “تقديم الأحداث الدولية والعالمية وفق أيام السنة موجود منذ سنوات، فيما لم أعثر خلال بحثي على تجربة طبقت الفكرة نفسها على تاريخ العراق وحده”.

وأضاف أن “هذه المساحة تمنح الكتاب استخداماً يتجاوز القراءة، إذ يمكن أن يستفيد منه صناع المحتوى، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات إعلامية، باعتباره مادة تمتد على أيام سنة كاملة”، لافتاً إلى أن “محتوى الكتاب يتيح أيضاً استخراج سلاسل مستقلة من داخله، فيما يصلح كل حدث مدون فيه ليكون موضوعاً منفصلاً يمكن العودة إليه وتطويره بحسب طبيعة الاستخدام”.

وواصل أن “ترتيب الأحداث بحسب الأيام يكشف عن تقاطعات زمنية لم تكن ظاهرة بالوضوح نفسه قبل جمعها داخل قاعدة واحدة، وهو ما دفعني للنظر إلى التاريخ بطريقة مختلفة، مع ظهور روابط ومفارقات بين أحداث تفصل بينها سنوات أو عقود”، مبيناً أن “اليوم الذي شهد تأسيس جمعية الفنانين جاء بعد نحو 36 عاماً ليحمل وفاة أحد مؤسسيها، وهو فنان معروف جداً، وفي يوم آخر، يعقد العراق اتفاقيات لتصدير التمور إلى الخارج، ثم يظهر التاريخ نفسه بعد عشرات السنين في إحصائيات تتعلق بوفاة عدد من الأطفال جراء قلة الغذاء”.

وأشار الراوي، إلى “مثال آخر من ثورة العشرين، إذ شهد اليوم الذي قُتل فيه الكولونيل لجمن في خان النقطة على يد الشيخ ضاري مقتل بيروفيلد، الحاكم العسكري في شهربان، إلى جانب محاولتين أخريين لاغتيال حكام بريطانيين لم تنجحا”، لافتاً إلى أن “الذاكرة التاريخية والعامة ركزت بصورة أكبر على حادثة لجمن والشيخ ضاري، رغم وقوع أحداث أخرى في اليوم نفسه”.

وأوضح، أن “جمع هذه الوقائع تحت تاريخ واحد يغيّر طريقة قراءة الحدث، ويتيح ملاحظة علاقات وتقاطعات لم تكن تظهر عند التعامل مع كل واقعة منفردة، وهو ما جعلني أعيد التفكير في طريقة فهم التاريخ بعد سنوات العمل على الكتاب وترتيب مادته”.

وعن مستقبل المشروع، أكد الراوي، أنه “يعمل حالياً على إعداد طبعة جديدة تضم معلومات مهمة جداً، على أن تنشر ضمن النسخة المقبلة”، مؤكداً أن “العمل متواصل على قاعدة البيانات التي انطلقت منها فكرة الكتاب أساساً، مع مشروع لربطها بتقنيات الذكاء الاصطناعي والاستفادة من إمكاناتها في إنتاج متطلبات مرتبطة بالإعلام العراقي وصناعة محتوى جديد وغني يستند إلى المادة التاريخية الموثقة التي جُمعت خلال سنوات البحث”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى