الثقافيةالفنية

“القوش تقرأ”.. حين يتحول سوق قديم إلى مساحة للمعرفة

احتفت ناحية القوش في محافظة نينوى، مؤخراً، بانطلاق الدورة الثالثة من مهرجان “القوش تقرأ”، الذي أقيم في سوق القوش القديم، بمبادرة من فرع القوش لاتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي، وبالتعاون مع فريق “أثرن” التطوعي، تزامناً مع الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الاتحاد.

ولعل الرقم الأبرز في هذه الدورة لا يكمن في عدد المشاركين، بل في توزيع أكثر من 2500 كتاب مجاناً، ضمن مبادرة تتيح لكل زائر اختيار كتابين، وتشمل عناوين متنوعة في الرواية والقصة والتاريخ والاجتماع والفلسفة والدين والسياسة، فضلاً عن كتب الأطفال.

ولم يطرح الكتاب في المهرجان بوصفه سلعة تُباع، بل باعتباره وسيلة لنشر المعرفة وإتاحتها للجميع، في فضاء تاريخي يستعيد حيويته من خلال القراءة والفنون واللقاءات الثقافية.

وتشهد المبادرة توسعاً عاماً بعد آخر، إذ ارتفع عدد الكتب الموزعة من نحو 1000 كتاب في الموسم الأول، إلى 2000 كتاب في الموسم الثاني، ليتجاوز العدد 2500 كتاب في الدورة الثالثة.

وقد جمعت الكتب من تبرعات أفراد وجهات ومؤسسات، وأُتيح لكل زائر اختيار كتابين مجاناً، في خطوة تعكس روح التعاون المجتمعي وتسهم في إيصال الكتاب إلى شرائح قد لا تتاح لها فرصة اقتنائه.

ولم يقتصر المهرجان على توزيع الكتب، بل اتسعت فعالياته لتشمل أنشطة ثقافية وفنية وتفاعلية متنوعة، من بينها جلسات حوارية عن صون التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة، ونقاشات بشأن التربية وتأثير الشاشات الحديثة في الأطفال.

كما تضمن المهرجان معرضاً للفنون التشكيلية والأعمال اليدوية، بمشاركة فنانين من القوش وبغديدا والموصل، إلى جانب فقرات موسيقية وشعرية وعروض فلكلورية، وأنشطة مخصصة للأطفال شملت الرسم وسرد القصص والألعاب.

وشهدت الفعاليات أيضاً إقامة زوايا للاستشارات الطبية والقانونية، فضلاً عن أنشطة معرفية وترفيهية، في محاولة لتقديم تجربة ثقافية ومجتمعية متكاملة تجمع مختلف الفئات العمرية.

ولا يتعامل مهرجان “القوش تقرأ” مع الثقافة بوصفها شأناً نخبوياً يقتصر على المثقفين وحدهم، بل يسعى إلى جعلها متاحة للأطفال والشباب والعائلات، وربطها بالتراث والفن والتربية، بما يعزز حضور المعرفة في الحياة اليومية للمجتمع.

ويكتسب اختيار سوق القوش القديم لاحتضان المهرجان أهمية خاصة، فالقوش، بما تمتلكه من تاريخ وإرث ثقافي وديني في محافظة نينوى، تقدم نموذجاً لارتباط الذاكرة بالمكان وحيوية المجتمع.

فالسوق القديم ليس مجرد موقع لاحتضان الفعاليات، بل فضاء اجتماعي يمكن أن يستعيد دوره في جمع الناس والتواصل بينهم، ولكن هذه المرة عبر الكتاب والفن والحوار، لتتحول أزقته إلى مساحة مفتوحة للمعرفة، وتصبح القراءة جسراً يربط الأجيال بموروثها الثقافي ويفتح أمامها آفاقاً جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى