
منذ 1930.. مكتبة الفلفلي في سوق السراي تحفظ ذاكرة بغداد الثقافية
في قلب بغداد وعلى امتداد سوق السراي، تتواصل حكاية الكتاب مع المكان؛ حيث تقف المكتبات العريقة شاهدةً على عقود من الحركة الثقافية والمعرفية التي جمعت الأدباء والباحثين والطلبة.
وبين رفوف “مكتبة الزوراء” التي تأسست عام 1930، يستعيد أكرم حسين الفلفلي ذاكرة زمن كان فيه الكتاب حاضراً بقوة في حياة العراقيين، مستعرضاً ما تحتفظ به المكتبة من كتب نادرة وقصص ارتبطت بأسماء أدبية وفكرية بارزة، فضلاً عن التحولات التي طرأت على علاقة العراقيين بالقراءة واقتناء الكتب.
وقال صاحب مكتبة الزوراء في سوق السراي، أكرم حسين الفلفلي،: “أسس والدي المرحوم حسين الفلفلي المكتبة عام 1930، ولتصبح من المكتبات الشهيرة التي يقصدها كبار الأدباء والسياسيين والأكاديميين، من بينهم د. مصطفى جواد، ود. علي جواد الطاهر، ود. حسين علي محفوظ، ود. جواد علي، وجعفر نوري، وعزيز السيد جاسم، وآخرون، حيث كانوا يعقدون جلسات أدبية داخلها”.
وأكد الفلفلي أن المكتبة “تضم كتباً فريدة ونادرة لا تتوفر إلا لديه وفي المكتبة الوطنية؛ منها كتاب مطبوع عام 1875 باللغة الإنجليزية يضم خرائط ومعلومات فريدة، وكتاب (تاريخ بابل وآشور)، وكتاب استخباري يشكل مسحاً ميدانياً من قِبل مؤلفه، إذ أحصى كل شيء في العراق من البشر والحيوانات والطيور والحجر والطوائف والعشائر والمدن والأرياف، فلم يدع معلومة عن العراق إلا وجردها، ثم سلّم دراسته للجيش البريطاني لتسهيل احتلال بلاد الرافدين عام 1917”.
وأضاف: “تختلف الكتب القديمة عن نظيرتها الحديثة ذوقاً ومعرفةً ومتانةً وطباعة؛ فالكتب الحديثة تشجع على الأخطاء وتحاول تبريرها وإضفاء الصواب عليها، ليس في العراق فحسب، بل في العالم أجمع”، لافتاً إلى أنه “في السبعينيات طُبعت كتب مهمة تشكل مصادر ومراجع أكاديمية وحضارية راقية لمؤلفين ذوي قيمة معرفية وأدبية وجمالية واسعة، مما اختزل الشعار العربي الشهير (مصر تؤلف، ولبنان تطبع، والعراق يقرأ) إلى: (العراق يطبع ويقرأ)، إذ كانت الكتب ترد إلى العراق مباعة بالوزن لا بالعدد، لأن العراقيين كانوا يلتهمون الكتب التهاماً”.
وأوضح أن “اقتناء الكتب في الوقت الحالي بات أشبه بديكور استعراضي أمام الضيوف في المنازل الفارهة، فلا أحد من أفراد العائلة يقرؤها، ولا الضيوف يقلبون صفحاتها”، مشيراً إلى أن “الصور الأصلية (الأورجينال) الخاصة بمكتبته تتواجد في الأماكن السياحية بمختلف دول العالم؛ في لندن وعموم أوروبا وأمريكا وبقية القارات، وموجودة في المطاعم والكافيهات والفنادق وهي تحمل ملصق (الفلفلي)”.
وتابع أن “العراقيين المقيمين في الخارج يقتنون صوراً لمعالم العراق تعيد إليهم التوازن النفسي والشعور بالانتماء للوطن الأم”، لافتاً إلى أن “إحدى المغتربات العراقيات طلبت صوراً عن المهن السائدة في العراق قديماً قائلة: (كي أتباهى بما كان عليه ماضي العراق من تقدم)، فيما يرسل آخر لأحفاده صوراً لمعالم البلد كي لا ينقطعوا عن جذورهم، وجميعها تحمل اسم الفلفلي”.
واختتم أكرم حديثه بالإشارة إلى أن “الكتب الإلكترونية تجسد استغلالاً جشعاً للمثقف، إذ تحرمه متعة القراءة الورقية، فالقراءة عبر الشاشات فيها تكلف لا يشبه استرخاء القراءة من الكتاب الورقي”، مبيناً أن “المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون والكاتب الألماني فريدريك اشتريا كتباً من مكتبة الفلفلي، وعندما ترجم فريدريك كتابه ذكر فيه شراءه من مكتبة الفلفلي في سوق السراي. وكان معظم الكُتاب الأجانب والعرب والعراقيين يزوروننا خلال الأربعينيات والخمسينيات، حتى إن كتاب (سائحتان في بغداد) ذكر زيارة مؤلفتيه لمكتبة (فلفولي) – كما نطقتاها – قبل أن يصحح لهما المترجم الاسم إلى (الفلفلي)”.



